ملاحظات فنانة

الكآبة والتصوير والزمن والذاكرة: قراءة في العلاقة بين الصورة والفقد

التصوير والزمن والذاكرة والفقد في مقال مينا بخشي

الملخص

ارتبط التصوير الفوتوغرافي منذ ظهوره بالزمن. فإذا كان الرسم قادراً على إعادة خلق عالم، فإن الصورة الفوتوغرافية تحيل بالضرورة إلى شيء كان موجوداً في لحظة ما أمام الكاميرا. وهذه الخاصية تجعل الصورة وسيطاً يحمل الحضور والغياب في الوقت نفسه: حضوراً يثبت في لحظة الالتقاط، وغياباً يظهر عندما ننظر إلى الصورة لاحقاً.

بالاستناد إلى أفكار رولان بارت، وسوزان سونتاغ، وجورج ديدي-هوبرمان، ومارك أوجيه، يحاول هذا النص إظهار أن الكآبة في التصوير ليست حالة نفسية، وليست مجرد نتيجة لاختيار الخرائب أو الأشياء المتروكة موضوعاً للصورة. إنها نتيجة للبنية الزمنية الخاصة بالصورة الفوتوغرافية نفسها.

المقدمة

منذ النظريات الأولى في القرن التاسع عشر وصولاً إلى الدراسات المعاصرة للصورة، ارتبط النقاش حول التصوير الفوتوغرافي بالزمن أكثر مما ارتبط بالتمثيل. وغالباً ما يُروى تاريخ التصوير من خلال مفاهيم مثل الواقعية والتوثيق وتسجيل اللحظة. غير أن عدداً كبيراً من منظّري الصورة أشاروا إلى أن الخاصية الأساسية للصورة الفوتوغرافية ليست تشابهها مع العالم، بل علاقتها الخاصة بالماضي.

على خلاف أنواع أخرى من الصور، تحيل الصورة الفوتوغرافية دائماً إلى حدث لا يمكن إنكار وقوعه، رغم أن الوصول إليه لم يعد ممكناً. ولهذا تقف الصورة عند الحد الفاصل بين الحضور والغياب، وبين الذاكرة والنسيان، وبين الحياة والزوال.

تطرح هذه الحالة سؤالاً أساسياً: هل تحفظ الصورة الماضي، أم أنها تشهد فقط على ضياعه؟

لا تتعلق الإجابة عن هذا السؤال بطبيعة الصورة وحدها، بل تؤثر أيضاً في طريقة مواجهتنا للعالم. فإذا كانت الصورة مجرد ذاكرة، يصبح التصوير وسيلة لحفظ التجربة. أما إذا كانت الصورة تحمل الفقد في بنيتها، فإن كل صورة لا تذكّرنا بالماضي فقط، بل تذكّرنا أيضاً بعجزنا عن استعادته.

الخراب والكآبة

لا تنتج الكآبة في التصوير عن الموضوعات الصامتة أو الخرائب أو الأشياء المهجورة. إنها تنتج عن البنية الزمنية للصورة نفسها.

ما يجعل المشاهد يشعر بالتوقف أو السكون أو الحزن أمام صورة ما هو، قبل كل شيء، إدراكه أن ما يراه لم يعد موجوداً بالطريقة نفسها. وحتى عندما تُظهر الصورة وجهاً مبتسماً أو منظراً حياً، فإنها تظل تحمل شكلاً من أشكال الفقد، لأن لحظة التصوير أصبحت جزءاً من الماضي.

لذلك تنبع الكآبة من علاقة الصورة بالزمن، لا من موضوعها فقط.

ومن هذا المنظور، لا تكون الخرابة مجرد موضوع فوتوغرافي، بل طريقة للتفكير في الزمن. لا تكمن أهمية الأماكن المهجورة في تدهورها وحده، بل في استحالة إعادتها إلى وظيفتها الأولى. لقد خرجت من دورة الاستخدام اليومي، ولذلك أصبحت طبقات الزمن فيها أكثر قابلية للرؤية.

عندما تبتعد المادة عن وظيفتها المعتادة، تتحول إلى نوع من الذاكرة. إنها لا تتكلم ولا تروي حكاية كاملة، بل تستمر في البقاء فقط.

يصف رولان بارت هذه الحالة في كتابه Camera Lucida من خلال عبارته الشهيرة ça a été، أي «لقد كان ذلك موجوداً». يرى بارت أن التصوير هو الوسيط الوحيد القادر على إثبات أن ما يظهر في الصورة كان موجوداً بالفعل في لحظة محددة أمام الكاميرا.

لكن هذا الإثبات يحمل في الوقت نفسه وعياً بالغياب، لأن ذلك الحضور أصبح ماضياً عند مشاهدة الصورة. ومن هنا، لا تحفظ الصورة الماضي بصورة كاملة ولا تستحضره من جديد، بل تكشف المسافة بين حاضر النظرة وماضي الحدث.

لهذا يربط بارت الصورة بالموت دائماً. ليس لأن الصورة تُظهر الموتى بالضرورة، بل لأن كل ما تسجله ينتمي فوراً إلى ماضٍ لا يمكن الرجوع إليه.

إذا انطلقنا من هذه الخاصية، فلن تعود الكآبة شعوراً شخصياً أو نفسياً فقط، بل تصبح حالة وجودية. فالمشاهد لا يواجه أمام الصورة مكاناً مهجوراً فحسب، بل يواجه شكلاً من أشكال الزمن لم يعد ممكناً أن يُعاش.

ما تضعه الصورة أمامنا ليس لحظة جامدة وحسب، بل فجوة بين الوجود وعدم الوجود، فجوة لا يمكن إغلاقها بالكامل.

ولا يؤدي الضوء أيضاً وظيفة الكشف الكامل فقط، كما تفترض بعض التصورات الواقعية للتصوير. فالضوء يخفي بقدر ما يكشف. والظلام ليس مجرد غياب للضوء، بل هو جزء من عملية الإدراك.

في الظلام، تفقد الأشياء يقينها وتتحول إلى إشارات على الزمن. وما نراه يبقى دائماً على حافة الاختفاء. وهذا التعليق هو ما يحوّل الصورة من وثيقة عن الواقع إلى مجال للتأمل الفلسفي في الحضور والفقد.

الحضور والفقد

إذا كانت الصورة تكشف دائماً مسافة بين الحضور والغياب، فلا ينبغي فهم الخرابة باعتبارها موضوعاً جمالياً فقط. فما يهم في الخراب ليس الدمار المعماري وحده، بل تغير العلاقة بين المادة والزمن.

المبنى الذي فقد وظيفته لم يعد مجرد جسم مادي، بل أصبح فضاءً يمكن رؤية الزمن داخله.

يمكن ربط هذا الفهم بأفكار جورج ديدي-هوبرمان حول بقاء الصورة أو استمرارها. انطلاقاً من أفكار آبي فاربورغ، يرى ديدي-هوبرمان أن الصورة لا تبقى محصورة في زمن إنتاجها. فهي لا تحفظ الماضي كاملاً، بل تنقل بقاياه إلى الحاضر.

وتكتسب هذه البقايا معنى جديداً في كل مرة تواجه فيها مشاهدًا جديداً. ومن هذا المنظور، لا تكون الذاكرة إعادة بناء كاملة للماضي، بل استمراراً غير مكتمل له في الحاضر.

وتوجد الخرابة في هذه الحالة تحديداً. فما يقف أمامنا ليس نهاية تاريخ بصورة كاملة، بل حضوراً يستمر بطريقة متقطعة وناقصة. كل شق، وكل طبقة متآكلة، وكل سطح صامت يحمل زمناً اختفى من دون أن يُمحى تماماً.

بهذا المعنى، تعمل الصورة مثل الخرابة. فهي لا تستحضر الماضي ولا تعيد بناءه، بل تحتفظ ببعض آثاره في الحاضر.

ما نراه داخل الإطار ليس الماضي نفسه، بل أثر الماضي؛ أثر لا يمكن أن يتحول مرة أخرى إلى حضور كامل. وهكذا يواجه المشاهد تجربتين متناقضتين: اليقين بأن شيئاً ما كان موجوداً فعلاً، والوعي بأن هذا الشيء قد فُقد إلى الأبد.

من هذا المنظور يمكن أيضاً إعادة قراءة أفكار سوزان سونتاغ حول التصوير. تشرح سونتاغ في كتابها On Photography كيف تحوّل الثقافة الحديثة العالم إلى مجموعة من الصور القابلة للاستهلاك. وبدلاً من تعميق التجربة، قد تختزلها هذه الصور في تراكم لا ينتهي من المعلومات البصرية.

لكن أهمية تحليل سونتاغ لا تكمن فقط في نقد استهلاك الصور. فكل صورة تحمل مسافة زمنية حتى قبل أن تدخل في دورة الاستهلاك.

لا يواجه المشاهد الحدث نفسه أبداً، بل يواجه أثراً لحدث انتهى. ولذلك لا تنتج الكآبة الفوتوغرافية عن التشبع البصري وحده؛ فالتشبع لا يفعل سوى تقوية خاصية موجودة أصلاً في بنية الصورة.

بسبب بنيتها الزمنية، تنتج الصورة دائماً تجربة من التأخر: مسافة بين وقوع العالم وبين إدراكنا له لاحقاً من خلال الصورة.

ويؤدي هذا المنطق أيضاً إلى فقدان المكان جزءاً من خصوصيته الجغرافية. فالمدينة لا تشير بالضرورة إلى مدينة محددة، والمباني لا تنتمي بالضرورة إلى عنوان بعينه. وما يبقى هو حالة من التعليق يمكن وضعها في حوار مع مفهوم «اللامكان» عند مارك أوجيه.

استخدم أوجيه هذا المفهوم لوصف فضاءات العبور في العالم الحديث، مثل المطارات والطرق السريعة ومراكز التسوق. لكن ما يهمنا هنا هو وصفه للانفصال بين المكان والذاكرة والهوية.

في الصور التي نتحدث عنها، لا ينتج هذا الانفصال عن العولمة وحدها، بل يمكن فهمه أيضاً بوصفه نتيجة لتآكل الزمن. لم يعد المكان يُعرّف من خلال موقعه الجغرافي فقط، بل من خلال آثار الذاكرة التي بقيت داخله.

لذلك لا يدخل المشاهد مدينة معينة، بل يدخل حالة معلقة تبدأ فيها الحدود بين المكان الحقيقي والمكان الذهني بالاختفاء.

ما تبحث عنه هذه الصور هو إمكانية التفكير في زمن لا يعود خطياً. فالماضي لا يقف ببساطة خلف الحاضر، بل يترسب على الجدران، وعلى الأشياء الصامتة، وفي طبيعة الضوء.

لا تنقذ الصورة هذه الترسبات الزمنية، لكنها تجعلها مرئية. ولهذا لا تمثل الصورة إجابة عن الزمن، بل تصبح هي نفسها سؤالاً يطرحه الزمن علينا.

الخاتمة

إذا نظرنا إلى التصوير بوصفه وسيلة لتسجيل الواقع فقط، فلن نرى في الخرائب والأشياء المتروكة والفضاءات الصامتة إلا موضوعات ذات قيمة جمالية معينة.

لكن إذا فهمنا، كما يقترح هذا النص، طبيعة الصورة من خلال علاقتها بالزمن، فسيتضح أن الكآبة الفوتوغرافية لا تأتي من الموضوع، بل توجد داخل البنية الزمنية للصورة نفسها.

كل صورة، مهما كان موضوعها، تحمل فجوة بين الحضور والغياب. وتنشأ هذه الفجوة من العلاقة الخاصة التي تربط الصورة بالعالم، وتجعل تجربة النظر مرتبطة دائماً بالوعي بالفقد.

الكآبة في التصوير ليست حالة نفسية، وليست نتيجة اختيار موضوعات صامتة أو مهجورة. إنها نتيجة للبنية الزمنية للصورة.

وتنشأ من عجز الصورة عن إعادة ما فُقد، مع استمرارها في الشهادة على أن ذلك الشيء المفقود كان موجوداً بالفعل. فالصورة لا تمثل العالم فقط، بل تجعل المسافة بين العالم والذاكرة قابلة للرؤية.

المراجع

Augé, M. (1995). Non-Places: Introduction to an Anthropology of Supermodernity. Trans. John Howe. London: Verso.
Barthes, R. (1981). Camera Lucida: Reflections on Photography. Trans. Richard Howard. New York: Hill and Wang.
Benjamin, W. (2008). The Work of Art in the Age of Its Technological Reproducibility and Other Writings on Media. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Didi-Huberman, G. (2003). Images in Spite of All. Trans. Shane B. Lillis. Chicago: University of Chicago Press.
Didi-Huberman, G. (2017). The Surviving Image: Phantoms of Time and Time of Phantoms. University Park: Pennsylvania State University Press.
Flusser, V. (2000). Towards a Philosophy of Photography. London: Reaktion Books.
Sontag, S. (1977). On Photography. New York: Farrar, Straus and Giroux.

<link rel=“alternate” hreflang=“fa” href=“URL فارسی”>
<link rel=“alternate” hreflang=“fr” href=“URL فرانسوی”>
<link rel=“alternate” hreflang=“en” href=“URL انگلیسی”>
<link rel=“alternate” hreflang=“ar” href=“URL عربی”>
<link rel=“alternate” hreflang=“x-default” href=“URL زبان پیش‌فرض”>

این مقاله از نظر محتوایی برای ساختن خوشه‌ی عکاسی، زمان، حافظه، فقدان و فلسفه تصویر مناسب است. کلمات پیشنهادی از محتوای واقعی مقاله استخراج شده‌اند و نیازی به تغییر متن مینا نیست.